السيد حيدر الآملي

469

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

النبي ( ص ) كان أفصح العرب والعجم وكان معلّما يوحى إليه من جهة اللّه تعالى وكان عقله محيطا بجميع العلويّات والسفليّات ، فكل كلمة من كلماته ، بل كل لفظة من ألفاظه توجد تحتها بحار الأسرار وكنوز الرموز ، فعلم أخباره وكنوز رموزه أمر عظيم وخطب جليل كبير لا يقدر أحد أن يحيط بعلم الكلام النبوي إلا من يهذّب نفسه ويزيل الاعوجاج عن قلبه بتقويم الشرع النبي الأمين ( ص ) . ومن أراد أن يتكلم في تفسير القرآن وتأويل أخبار النبي ( ص ) ، ويصيب في كلامه فيجب عليه أولا تحصيل علم اللغة والتبحر في علوم النحو والشروع في ميدان الاعراب والتصرف في أصناف التصريف ، فإن علم اللغة سلّم ومرقاة إلى جميع العلوم ، ومن لا يعلم اللغة فلا سبيل له إلى تحصيل العلوم ، فإن من أراد أن يصعد سطحا يجب عليه تمهيد المرقاة أولا ثم بعد ذلك يصعد ، فعلم اللغة وسيلة عظيمة ومرقاة جليلة لا يستغني الطالب للعلم عن أحكام اللغة ، فعلم اللغة أصل الأصول ، وأوّل علم اللغة معرفة الأدوات وهي بمنزلة الكلمات المفردة ، وبعده معرفة الأسامي المفردة ، وبعده معرفة الأفعال مثل الثلاثي والرباعي والخماسي وغيرها . ويجب على اللغوي أن ينظر في أشعار العرب وأولاها وأتقنها أشعار الجاهلية ، فإن فيها تنقيحا للخاطر وتلويحا للنفس ، ومع الشعر والأدوات والأسامي والتصريف يجب تحصيل علم النحو ، فإن علم النحو للغة بمنزلة الميزان للذهب والفضة ، والمنطق لعلم الحكمة ، والعروض للشعر ، والذّراع للأثواب ، والمكيال للحبوب ، وكل شيء لا يوزن بميزان لا يتبيّن فيه الزيادة والنقصان . فعلم اللغة سبيل إلى علم التفسير والأخبار ، وعلم القرآن والأخبار دليل إلى علم التوحيد ، وعلم التوحيد هو الأصل المهم ، والذي لا تنجلي نفوس العباد إلا به ، ولا يتخلّص من خوف المعاد إلا بنوره . فهذا تفصيل علم الأصول . والنوع الثاني من العلم السّماعي ، هو علم الفروع ، وذلك ، أنّ العلم إمّا أن يكون علميا وإما أن يكون عمليا ، وعلم الأصول هو العلمي وعلم الفروع هو العملي . وهذا العملي يشتمل على ثلاثة حقوق :